Wednesday, March 19, 2014

"بدي كون حدا مهم بحياتي"...!



"بدي كون حدا مهم بحياتي"...!

 ربما هذه هي أكثر العبارات التي كنا نبحث عنها في أعماقنا حتى قبل أن نسمعها لنعصر ذخر أفكارنا ونستيقظ في بعض الأيام عند الرابعة فجراً فنعيد تصميم الخربشات والرسومات التي جهزناها لمشاركتها مع سيدات مستفيدات في مركز الموارد النسائي - Women Resource  (WRC) Center.

اليوم 8 آذار، يوم المرأة العالمي. هو اليوم الذي لا تنتظر فيه السيدة اكثر من تقدير وكلمة اعتزاز ومشاركة حقيقية في حمل همومها ودموعها وفرحتها وآمالها. المرأة في هذا اليوم هي أنثى لا تطمح أكثر من حقوقها ولا تحتاج اقل من اعترافنا بذلك.
 يوم المرأة العالمي 2014 بالنسبة إلينا في آي ليف أرت حملنا في اختزال الطريق إلى عبرا في طقس ماطر، إلا أن أرواحنا كانت مفعمة بحرارة الفرح الذي نحمله معنا والدفء الذي وعدنا أنفسنا فيه بين تلك السيدات اللواتي سنلتقي بهن على الأرض للمرة الأولى وربما الأخيرة. لكننا نمتلك إمتيازات يوم المرأة العالمي لنقدم أو لنتشارك مع تلك النساء في حبك قصص نهديها لهن ومزج ألوان حياة نستمدها من رغباتهم وحيواتهن.
وصلنا إلى مركز الموارد النسائي في عبرا صيدا حيث كان فريق العمل بانتظارنا والسيدات المشاركات جالسات وهنّ غير عالمات ماذا ينتظرهن في هذا اليوم الذي لا يختلف عن باقي الأيام بالنسبة إلى معظمهن.

لم نحتج أكثر من دقائق معدودة قبل أن نتوزع في نقاطنا وننثر عتادنا وحاجيانتا في خمس حلقات منفصلة. كانت صولانج طوال الطريق وفي المرحلة التي سبقت وصولنا على اتصال وتنسيق مع الأصدقاء والشركاء من WRC وغيرهم من الجمهور المتابع لنا فتارة تقدم لهم عبارة كأحجية وطوراً تسترسل في تغذية حماستهم لمعرفة النشاط الذي سننفذه في هذا اليوم المتميز.
توزعنا وحملت صولانج الكاميرا لتوثيق الحدث في ما انصرفت مريم برفقة أحد أعضاء WRC  في تشييد بوابة خاصة ب "آي ليف آرت". لم تكن بوابة من طين مسلّح، إنما كانت بوابة تشبه أرواحنا من الورق الأبيض ورذاذ وريقات خضراء لتحتضن في أعماقها أسرار وكلمات أحلام وطموحات ورغبات تلك السيدات. بعضهن تحدثن عن الطريق إلى العودة والوطن، وأخريات تشاركن في نقل مواجعهن بين سوريا وفلسطين ولبنان فيما شدّدت أخريات على أكبر اهتماماتهن ورجائهن من قانون يحفظ حقوقهن ويحميهن ويحمي بناتهن من كل أنواع الظلم والإساءة أو حتى الرغبة في التعلّم والعيش بسعادة وسلام وراحة بال.

لم تحتج بوابة أي ليف آرت وقتاً طويلاً قبل أن تتزين بأحرف سيدات أبدين سعادة عامرة إذ أن: "يكفينا أن هناك مَن يرغب في سماع آرائنا وأن هناك يريدنا أن نشارك من دون قيود أو أطر معينة". لكن الراية الأبرز التي حفرت في أذهاننا لا يمكن تقديمها سوى كما كتبت: "بدي كون حدا مهم بحياتي"...

  لدى عبوركم بوابتنا نستقبلكم أنا (صفاء) وسارة في جو من الدراما وحركة المسرح وعمق القصص التي تحيا بصمت في ظلال أرواحنا. تجربتي مع سارة كانت خجولة كوني غير متخصصة في المسرح التفاعلي كما هي. فكنت أراقبها حيناً وهي تقفز من زاوية إلى أخرى كعصفور طنان وكيف تضيع بين السيدات وهي تستمع إليهن وتأخذ ملاحظاتهن. تداورنا ولم أصح على نفسي وأنا أروي قصة من عندي وأراقب وجوه تلك السيدات واقرأ أعمق من الكلمات في إيماءاتهن ودموعهن وأقوالهن الغنّاء.
فجأة توقفت وجلست فقط لأعود إلى دفتري الذي بدأت صفحاته تمتلئ بسرعة. وكأن المسرح تحوّل إلى قفير نحل وأطلقت تلك السيدات العنان لأنفسهن. بعضهن مؤيد وبعضهن معارض وجميعهن يردن الخيارات الفضلى وسارة تربط الأذيال وتبني أساسات البناء وترتفع معهن في تشييد طوابقاً من الأبواب النيرة ودروب الصحيحة.

إطمئنت نفسي وهرعت إلى الخارج لأشهد استعراضاً فنياً قائماً في معرض الألوان. شعرت وكأنني أدخل محترفاً فنياً لا أعرف مَن هو الفنان ومَن هو المساعد. فكانت أيادي السيدات تخط تفاصيل الرسم الحيّ مع سيلين وفاديا ونسرين.
"هيدي المرأة بتشملنا"، هكذا شرحت إحدى المشاركات رأيها في لوحة الأم مع ولديها مضيفة: "شقيانة بحياتها لأولادها" ولا تختلف الكثيرات عن هذا الرأي باعتبار أن اختيار اللوحة مسّ أعماقهن وامتزج مع عرق جبينهن.

انتقلت إلى لوحة الصبية السمراء المغلّفة بألوان قوس قزح. كانت أمامي صبية تتأمل اللوحة من بعيد لكنها أمطرتني بتحليلها لكل تفصيلٍ ولون. شعرت بنفسي في حضرة ناقدة فنية تحمل روح اللوحة في ذاتها لتجسد شعورها كإمرأة عربية تؤمن بقدراتها وطاقاتها الكثيرة التي تتخطى دورها كأم. قالت: "حسيت اللوحة مفرفحة، حرّة من داخلها ومتصالحة مع نفسها. إمرأة ترغب بالحب والحرية ولا تأبه للقيود لأنها لن تحد أحلامها وأفكارها".

سمعت إحدى الفتيات الأخريات تقول: "واو شو حلو هالشعور تكوني مغمضة عيونك وعم تفكري بأشياء حلوة". لعل هذه الفتاة هي التي ربطت أفكاري وأرشدتني إلى طريق رؤيتي للوحة الثالثة من عينيها وعيني رفيقاتها. فأضحت اللوحة الأخيرة التي تحمل وجهي إمرأتين جميلتين ومتأنقتين مرصد الجمال والحلم لكل إمرأة وصبية. فكانت الأصداء متشابهة بأن الصبية جميلة وحرة ومرتاحة وشعرها يتطاير مع الريح والتألق حليفها والتحرّر من قيود ومحدودية الطاقات أصبح قوتها وسلاحها.

انتهى النشاط في ثلاث ساعات شعرت وكأنه ثلاث دقائق فقط وعدنا إلى المسرح وتشاركنا جميعنا ذخر النشاطات وتبادلنا العروض. حملنا عتادنا وهممنا بالمغادرة فكانت آخر عبارة حملتها في جعبتي هي المكافأة الكبرى لنا في يوم المرأة العالمي 2014 من سيدة تناهز الستين وهي تقول: "صرلنا زمان ما عشنا بفرح وما حسينا إنو في إلنا نهار بس لإلنا".
غادرنا والمطر لا يزال مرافقاً لنا لكن روح الفرح غمرتنا ككل مرة في طعمٍ مغاير وفريد.